Aller au contenu principal

الكاردينال بيتسابالا من فلورنسا: السلام يبدأ عندما نرى الآخر إنسانًا

شجاعة إعادة تخيّل السلام: ثورة السلام تنطلق من فلورنسا
موقع أبونا

في مدينة فلورنسا، المهد التاريخي للحوار والثقافة والإنسانية، اجتمعت الموسيقى والكلمة لتطلقا تحديًا يبدو اليوم أكثر إلحاحًا وضرورة من أي وقت مضى. ففي ختام حفل «إعادة تخيّل السلام»، ألقى الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، كلمة اتسمت بعمقها الإنساني والفكري، رسم فيها معالم رؤية أخلاقية وروحية للخروج من حالة الاستقطاب الجيوسياسي التي يشهدها العالم اليوم.

وشكّلت كلمته نداءً صادقًا إلى كسر الحدود الذهنية والثقافية قبل الحدود الجغرافية، إذ قال: «لنفكّر في إعادة تخيّل السلام. نحن بحاجة إلى شيء من الخيال أيضًا، وأن نخرج من حدودنا، لأننا ما دمنا منغلقين داخلها فإننا نقيّد خيالنا، وبالتالي نقيّد السلام نفسه. لذلك علينا أن نفتح الحدود والأبواب».

كما وجّه شكرًا خاصًا إلى منظّمي الحفل، وإلى جميع الفنانين، ولا سيّما المغنية نوا، على شجاعتهم في إطلاق مساحة تحمل في اسمها ذاته تحديًا جميلًا. فجوهر الرسالة، بحسب بيتسابالا، يتمثل في الدعوة إلى سلام فاعل، لا يقتصر على غياب مؤقت وهش للنزاعات.

وأكد البطريرك أن السلام ليس مفهومًا جامدًا، ولا يقتصر على إسكات صوت السلاح أو على اتفاقات يوقّعها أصحاب القرار، بل هو رؤية جديدة للعلاقة مع الآخر. وقال: «السلام ليس مجرد نهاية للحرب، وليس مجرد وقف لإطلاق النار. السلام أيضًا هو تمرين على الخيال، وهو القدرة على رؤية الآخر لا كعدو، ولا كتهديد، ولا كتصنيف، بل كشخص».

وفي زمن تهيمن عليه الانقسامات الأيديولوجية الحادة، وثقافة وسائل التواصل الاجتماعي، والاستقطابات التي تغذيها الدعاية، اعتبر أن التوقف للإصغاء إلى الآخر أصبح فعلًا ثوريًا بامتياز. وأضاف: «نعيش في زمن أصبح فيه من السهل جدًا أن نختار إلى أي طرف ننتمي، لكن الأصعب هو أن نختار الإصغاء. ومع ذلك، أؤمن بأن الإصغاء هو أحد أكثر الأفعال ثورية التي نملكها».

وأوضح أن الإصغاء لا يعني التخلي عن المبادئ أو القناعات، بل الاعتراف بإنسانية الآخر، قائلًا: «الإصغاء لا يعني الموافقة، ولا يعني التخلي عن قناعاتنا، بل يعني الاعتراف بأن ألم الآخر موجود، حتى وإن لم يكن مطابقًا لألمنا».

وانطلاقًا من هذه الرؤية، تناول بطريرك القدس للاتين الصراع في الشرق الأوسط، رافضًا أي منطق يقوم على الانحياز أو المنافسة في الألم. وقال غبطته: «هناك ألم العائلات الفلسطينية التي عرفت الموت والدمار وعدم اليقين اليومي. ولا ينبغي للألم أن يتحول يومًا إلى منافسة، ولا أن يكون هناك ترتيب لمعاناة البشر».

وشدد على أن كل معاناة تحمل الكرامة الإنسانية نفسها، وأن حياة كل إنسان تملك القيمة ذاتها أينما كان. ولإعادة اكتشاف إنسانيتنا، دعا إلى التحلي بشجاعة التعاطف، وهي فضيلة تتطلب، بحسب قوله، «القوة للخروج من السرديات التي تمنحنا شعورًا زائفًا بالأمان، والخروج من حدود جماعاتنا ويقينياتنا، والاستعداد لرؤية العالم بعيون شخص آخر».

وأكد أن السلام الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن التساؤل عمّن يستحق تعاطفنا، ونوسّع دائرة هذا التعاطف بحيث لا يُستثنى أحد، لأن السلام لا يمكن أن يُبنى على تقسيم البشر إلى من يستحق الاهتمام ومن لا يستحقه.

ثم تطرق إلى مسؤولية المؤمنين والقادة الدينيين، محذرًا من خطورة استخدام الدين لتبرير العنف والكراهية، وقال: «عندما تُستخدم الديانة لتبرير الكراهية والعنف، فإنها تخون دعوتها الأعمق، وهذا هو أخطر الخطايا».

وأضاف أن العالم يحتاج إلى قادة روحيين قادرين على مخاطبة القلوب، وتذكير الناس بأن جوهر الإيمان الحقيقي لا يفرّق بل يوحّد. وأكد أن كل إنسان أكبر من التصنيفات التي تُلصق به، فخلف الأعلام والإحصاءات والعناوين الإخبارية توجد وجوه وقصص بشرية تستحق مستقبلًا أفضل.

واختتم الكاردينال بيتسابالا كلمته بالتأكيد أنه، وإن لم تكن لديه حلول سياسية جاهزة، فإن هناك مبادئ لا يمكن التنازل عنها، وهي: «أن الحياة مقدسة، وأن العنف لا يمكن أن يكون المصير المحتوم لأي شعب، وأن أمن طرف لا ينبغي أن يقوم على يأس الطرف الآخر، وأن العدالة والسلام ليسا بديلين أحدهما عن الآخر، بل يسيران معًا».

المصدر: موقع أبونا